"أفظع جريمة بحقّ الإنسانية": هل آن أوان تعويض ضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, فرناندو دوارتي
- Role, خدمة بي بي سي العالمية
- مدة القراءة: 7 دقائق
أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يصف العبودية بأنها "أفظع جريمة بحق الإنسانية"، ويدعو إلى إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية سريعاً ومن دون عوائق، بما يشمل الأعمال الفنية والآثار ومقتنيات المتاحف والوثائق والأرشيفات الوطنية، ومن دون مقابل.
وقدّم القرار رئيس غانا جون ماهاما بدعم من الاتحاد الإفريقي، في مسعى لفتح مسار نحو التعافي ودفع تعويضات تُعرف باسم "جبر الضرر".
وحظي القرار بتأييد 123 دولة، مقابل معارضة ثلاث دول، فيما امتنعت 52 دولة عن التصويت، بينها المملكة المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، بينما صوتت الولايات المتحدة والأرجنتين وإسرائيل ضده.
وقال ماهاما أمام الجمعية العامة إن اعتماد القرار "يشكّل ضمانة ضد النسيان".
وتطالب الدول المتضررة من العبودية بتعويضات منذ أكثر من قرن، إلا أن الجدل حول هذه القضية تصاعد في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد إقرار بعض الدول والشركات التي استفادت تاريخياً من عمل العبيد الأفارقة بدورها في تجارة الرقيق.

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
ما هي تعويضات العبودية؟
بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، جرى أسر ما بين 12 و15 مليون رجل وامرأة وطفل من إفريقيا، ونقلوا إلى الأمريكيتين للعمل عبيداً.
وقد أرسلوا إلى مستعمرات خاضعة لسيطرة قوى أوروبية، مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا، ويُعتقد أن نحو مليوني شخص قضوا خلال الرحلة على متن سفن الرقيق سيئة الصيت.
ولا تزال آثار قرون من الاستغلال حاضرة حتى اليوم، إذ تعاني الدول التي انطلق منها العبيد، وكذلك تلك التي استقبلتهم، من أشكال من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، ومن التمييز العنصري.
وتهدف التعويضات إلى أن تكون شكلاً من أشكال جبر الضرر، أي اعترافاً بالمسؤولية واعتذاراً، إلى جانب تعويض مادي للمنحدرين من أصول إفريقية الذين أجبر أسلافهم على العبودية.
ويدعو المقترح الذي قدمته غانا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى النظر في تقديم اعتذار رسمي عن تجارة الرقيق، والمساهمة في صندوق مخصص للتعويضات.

صدر الصورة، The Washington Post / Getty Images
وقال وزير خارجية غانا، صامويل أوكودزيتو أبلاكوا، لبرنامج "نيوزداي" على بي بي سي: "نطالب بالتعويضات، ليس لأن القادة الأفارقة يريدون المال لأنفسهم، بل سعياً إلى تحقيق العدالة للضحايا، ودعم قضاياهم، وتعزيز التعليم، وإنشاء صناديق للتنمية وتدريب المهارات".
لكن الباحثة والناشطة البريطانية إستير زوسي، وهي من أبرز الأصوات في حركة التعويضات، أبدت شكوكها في تأثير القرار، قائلة: "من المشجّع أن تقود الدول الإفريقية هذا النقاش، لكن كسب القلوب والعقول لن يتحقق في الأمم المتحدة".
وأضافت: "المعركة الحقيقية ستكون في الشارع، حيث لا يزال كثيرون لا يعرفون التاريخ بشكل دقيق".

صدر الصورة، United Nations
هل هناك سوابق تاريخية للتعويضات؟
نعم، تعدّ الحالة الأبرز في هذا السياق تلك المتعلقة بألمانيا، التي دفعت منذ عام 1952 أكثر من 80 مليار دولار لضحايا النظام النازي من اليهود، بما في ذلك مدفوعات لإسرائيل.
لكن حتى الآن، لم تدفع أي دولة تعويضات عن العبودية لأحفاد الأفارقة الذين استعبدوا، ولا للدول الإفريقية والكاريبية وأمريكا اللاتينية المتضررة.
وحتى الدول التي قدّمت اعتذارات رسمية عن دورها في العبودية، مثل هولندا عام 2022، استبعدت دفع تعويضات مالية مباشرة، واكتفت بإنشاء صندوق بقيمة 230 مليون دولار لدعم "مبادرات ومشاريع اجتماعية لمعالجة إرث العبودية".
وتوضح الدكتورة سيليست مارتينيز، الباحثة في الاستعمار الإسباني في إفريقيا: "أهم ما يجب فهمه هو أن أحداً لا يسعى إلى تغيير الماضي، بل إلى التعامل مع آثاره في الحاضر".
وتضيف: "لا تزال آثار العبودية قائمة حتى اليوم في صورة عنصرية وعدم مساواة، والاعتراف بالماضي ضروري إذا أردنا بناء مجتمعات أكثر عدلاً وديمقراطية".

صدر الصورة، Universal Images Group via Getty Images
ما الذي يمكن أن يغيّره قرار الأمم المتحدة؟
كانت الأمم المتحدة قد أبدت دعماً علنياً لمبدأ العدالة التعويضية. ففي بيان صدر في سبتمبر/أيلول 2025، ذهب مفوضها السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن هذه العدالة يجب أن تشمل "تعويضات بأشكال مختلفة".
ومع ذلك، لم يسبق للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تضم 193 دولة لكل منها مقعد وصوت، أن صوّتت على قرار بهذه الصيغة أو أقرّته.
ولا تملك الجمعية العامة صلاحية فرض تعويضات، لكنها تستطيع منح القضية زخماً وشرعية سياسية.
وتقول ألماز تيفيرا، الباحثة البارزة في قضايا العنصرية لدى منظمة "هيومن رايتس ووتش": "طرح هذا النقاش في الأمم المتحدة يُعد خطوة كبيرة ومهمة سياسياً".
وتضيف: "هذا يفتح المجال أمام تواصل بين الدول حول قضايا التعويضات، ويزيد فرص إحراز تقدم في النقاشات".

صدر الصورة، AFP via Getty Images
عن أي مبالغ مالية نتحدث؟
تحديد الجهة التي ينبغي أن تتحمل كلفة التعويضات، وحجم هذه الكلفة، من أكثر النقاط إثارة للجدل في هذا الملف.
وقد طرحت دعوات لمطالبة الشركات والمؤسسات والعائلات التي امتلكت عبيداً بدفع تعويضات، غير أن معظم المقترحات تضع المسؤولية في نهاية المطاف على عاتق الحكومات.
وفي عام 2013، أصدرت مجموعة "كاريكوم"، التي تضم 15 دولة في منطقة الكاريبي، خطة من عشر نقاط لتحقيق العدالة التعويضية، شملت مقترحات مثل إلغاء الديون الخارجية والاستثمار في التعليم والصحة العامة.
وفي عام 2023، قدّمت المجموعة دراسة قالت فيها إن الدول الكاريبية الخمس عشرة تستحق ما لا يقل عن 33 تريليون دولار من الدول الاستعمارية السابقة.
وتقول فيرينا شيبرد، أستاذة في جامعة الهند الغربية ونائبة رئيس لجنة التعويضات في "كاريكوم": "الدولة تتحمل المسؤولية في نهاية المطاف، لأنها هي التي هيأت البيئة التي شارك فيها الأفراد والمؤسسات والشركات في العبودية والاستعمار".

صدر الصورة، Ullstein Bild via Getty Images
وفي العام نفسه، طرح باتريك روبنسون، القاضي في محكمة العدل الدولية، تقديراً أعلى بكثير، إذ قدّر أن 31 دولة مدينة مجتمعة بنحو 107 تريليونات دولار، بينها دول مثل البرازيل والولايات المتحدة التي استفادت من عمل العبيد بعد استقلالها عن البرتغال وبريطانيا.
ومن أبرز التحديات في هذا الملف، مسألة مرور الزمن، إذ إن معظم حالات التعويض السابقة، مثل تعويضات ضحايا الهولوكوست، جرى التوصل إليها بينما كان الناجون لا يزالون على قيد الحياة.
كما أن احتساب هذه الأرقام بالغ التعقيد، وغالباً ما يكون محل خلاف.
ويرى الخبير القانوني لوك موفيت، المحاضر في جامعة كوينز في بلفاست، أن هذه التقديرات غير قابلة للتطبيق قانونياً، قائلاً: "من الناحية القانونية، هذا جبل شاهق يصعب تسلّقه، لكن ذلك لا يعني أنه لا ينبغي الجلوس إلى طاولة المفاوضات".

صدر الصورة، AFP via Getty Images
ماذا عن الاعتذارات؟
لا تقتصر حملات مثل تلك التي تقودها مجموعة "كاريكوم" على المطالبة بالتعويضات المالية، إذ يشير التكتل إلى أن معظم الدول التي استفادت من العبودية لم تقدّم اعتذارات رسمية حتى الآن.
وتقول فيرينا شيبرد: "إن تعافي الضحايا وأحفادهم يتطلب اعتذارات رسمية وصادقة من الحكومات الأوروبية".
وتضيف: "بعضها اكتفى ببيانات تعبير عن الأسف، وهي توحي بأن الضحايا وأحفادهم لا يستحقون اعتذاراً حقيقياً".
من جانبها، ترى سارة حمود، مسؤولة حقوق الإنسان في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أن الاعتراف بالماضي جزء أساسي من تحقيق العدالة التصالحية.
وتوضح: "الجانب المالي ليس سوى جزء من القضية. وقد أكدنا مراراً أنه لا توجد دولة تعاملت بشكل كامل مع إرث العبودية أو أحصت بدقة آثارها على حياة الأشخاص من أصول إفريقية".
وتضيف: "الاعتذارات الرسمية، وكشف الحقيقة، والتعليم، كلها عناصر أساسية ضمن مجموعة أوسع من الإجراءات المطلوبة".



































