You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
"ممنوع التصوير": إعلاميون وصانعو محتوى بين الأمن وحرية التعبير في الحرب مع إيران
"انتقلت إلى دبي قبل شهر فقط… ثم انفجرت طائرتان بدون طيار بالقرب من المبنى الذي أسكن فيه، وبعدها وجدت نفسي في المرتبة الثالثة على قائمة النيابة العامة الإماراتية بتهمة نشر محتوى غير قانوني"، بهذه الكلمات وصف صانع المحتوى المتخصص في العملات الرقمية وصاحب حساب "إيلون تريدز" تجربته الأخيرة في الإمارات، بعد نشره مقطع فيديو لحريق في فندق فيرمونت بدبي، حصد نحو 1.7 مليون مشاهدة.
بسبب هذا المقطع، يقول إن حسابه حُجب على منصة إكس، بعد أن أمضى أسبوعاً كاملاً مختبئاً "في القبو بسبب القصف المستمر بالصواريخ والطائرات من دون طيار". بعدها قرر مغادرة البلاد عبر سلطنة عُمان، تاركاً رسالة لمتابعيه : "إذا كانت لديكم القدرة على المغادرة، أنصحكم بذلك".
وأضاف على حسابه على منصة "إكس": "انتقلت إلى دبي لأتجنب الخنق بالقوانين والبيروقراطية".
قصة "إيلون تريدز" لم تكن حالة فردية، بل تعكس جانباً من إجراءات صارمة اتخذتها دول خليجية عدة في ما يتعلق بتصوير أو نشر مقاطع فيديو توثق الأحداث العسكرية والهجمات الصاروخية في الحرب الدائرة مع إيران.
في الإمارات، حذر النائب العام من تداول صور أو مقاطع فيديو قد تثير الذعر أو تعطي صورة غير دقيقة عن الأوضاع، مؤكداً أن أي شخص يُتهم بنشر "الشائعات أو الأخبار الكاذبة" قد تُفرض عليه عقوبات تشمل السجن لمدة عامين على الأقل مع غرامة مالية كبيرة
ومساء الاثنين الماضي، ألقت السلطات الإماراتية القبض على سائح بريطاني يبلغ من العمر 60 عاماً لتصويره مقطعاً مصوراً لصواريخ في سماء دبي.
تلزم السلطات الإماراتية صانعي المحتوى باستخراج تراخيص وتصاريح من جهات رسمية لممارسة نشر المحتوى على مواقع التواصل. بينما دعت كل من الكويت والبحرين وقطر المقيمين إلى الامتناع عن التصوير في الأماكن العامة أو إعادة نشر مقاطع من مواقع الأحداث، معتبرة أن ذلك يضر بالأمن والنظام العام"
وفي مقابلة حصرية مع بي بي سي ، قالت لانا نسيبة، وزيرة دولة في الإمارات، "لكي يشعر الجميع بالأمان، من المهم أن تكون المعلومات موثوقة وأن تكون المصادر موثوقة أيضاً، وهذا هو الأساس للقواعد التي تم تطبيقها في الدولة، خصوصاً في هذا الوقت المتوتر" ودعت المواطنين والمقيمين والسياح والصحفيين باتباع التعليمات الموضوع مشيرة إلى أنها " على علم بأنه تم رصد انتهاكات لهذه القوانين، لكن الإرشادات الموجودة هنا هي من أجل سلامتكم وحمايتكم".
بينما أعلنت وزارة الداخلية في قطر توقيف أكثر من 300 شخص "على خلفية قيامهم بتصوير وتداول مقاطع مصورة، ونشر معلومات مضللة وشائعات وما من شأنه إثارة الرأي العام".
ورغم تبرير هذه الإجراءات بدوافع الأمن القومي، إلا أنها أثارت تساؤلات حول حدود حرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. إذ يرى البعض أن هذا التقييد قد يضع المواطنين والمقيمين أمام معادلة مُعقدة بين حقهم في التعبير وحقهم في الأمان.
معادلة صعبة
يقول جاد شحرور - المتحدث باسم مؤسسة سمير قصير- وهي منظمة مستقلة مقرها بيروت معنية بحرية الصحافة والتعبير عن الرأي- إن "لغة الأمن تُستخدم أحياناً ليس فقط لحماية الناس، بل للسيطرة على تدفق المعلومات وتضييق المجال العام، بحيث تصبح الدولة وحدها المسؤولة عن تحديد الحقيقة في أوقات الحرب".
وأضاف في حديثه مع بي بي سي نيوز عربي قائلاً: "الوصول إلى المعلومات ليس رفاهية تقتصر على أوقات السلم، بل هو حق أساسي لكل إنسان، وهو ما تكفله المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
ويوافقه في هذا الرأي، محمود المصري، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة WITNESS - وهي منظمة مستقلة أخرى تعنى بمساعدة الأشخاص في توثيق القصص عبر تقنيات الفيديو. يقول المصري إن هذه القيود قد تخلق "فراغاً معلوماتياً يسمح بانتشار الشائعات والمحتوى المضلل بسهولة أكثر"، مشدداً على أن المجتمعات المحلية تلعب دوراً حيوياً في توثيق الأحداث ومراقبتها بشكل آمن ومسؤول.
ويضيف: "عندما يُمنع الناس من تسجيل ومشاركة ما يشاهدونه، يُفقد التوثيق الميداني الذي يساعد الصحفيين والمحققين والجمهور على فهم ما حدث بالفعل".
آخرون يرون أن القيود الموضوعة ضرورية في هذه الظروف الاستثنائية؛ من بينهم فيصل المضاحكة ، رئيس تحرير مجلة Gulf Times في قطر، الذي أشار في حديثه مع بي بي سي نيوز عربي إلى أن تصوير مواقع سقوط الصواريخ أو الشظايا قد يوفر معلومات "يستغلها العدو لتحديد الأهداف، ما قد يؤدي إلى إعادة استهداف المواقع،خصوصاً في ظل الحروب الحديثة التي تمتد أيضاً إلى الفضاءين الإلكتروني والمعلوماتي كما نشهد اليوم".
وأكد أن الحظر على النشر لا يتعلق أبداً بحرية الرأي، بل بحماية المواطنين والمقيمين، داعياً الوافدين إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه الدولة المضيفة: "على صناع المحتوى أن يدعموا قرارات الدولة وعدم نشر تطورات الحرب لأن البعض يأتي من خلفيات وثقافات مختلفة و يهتم أكثر بحصد أكبر عدد من المتابعين وتفاعلات الإعجاب على حساباته بدل وضع أمن المقيمين كأولوية".
وأضاف: "صورة بسيطة قد يلتقطها شخص من مكان عام تظهر فيها نقطة سقوط صاروخ، قد تساعد على إعادة استهداف المكان لاحقاً… هذا ليس موضوع حرية تعبير، بل حماية للأرواح".
بالنسبة لمحمود المصري - من منظمة Witness ومقرها نيويورك- فإن تمكين المجتمعات من توثيق الأحداث بمسؤولية "هو جزء من تعزيز بيئة المعلومات وليس تقويضها". يقول : "إن الحظر والعقوبات لن تمنع التضليل، بل تمنع المعلومات الموثوقة من الوجود، ويصبح المجال خالياً للشائعات والصور المزيفة".
ومن خلال متابعتنا لهذا الجدل، رصدنا إقدام متصفحين لمواقع التواصل الاجتماعي في بعض دول الخليج على التبليغ عمن يقوم ينشر صور ومقاطع مصورة تظهر آثار الهجمات التي تعرضت لها تلك الدول، وتحث السلطات على اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم.
هل من قيود على التغطية الصحفية للحرب؟
نطاق الجدل الذي أثارته هذه الإجراءات اتسع كذلك، على ضوء ما قالته منظمات معنية بحرية الصحافة، من أن ثمة "تضييقاً" على عمل الصحفيين في دول الخليج، بما يشمل الحيلولة دون تغطيتهم للأحداث أحياناً، أو إلزامهم باصطحاب مرافقين ممثلين للسلطات خلال بعض التغطيات، وذلك بينما تنفي سلطات تلك الدول على الدوام، اتخاذ أي إجراءات تمس بحرية التعبير، أو فرض قيود على عمل وسائل الإعلام، إذ تسمح السلطات للصحفيين والمراسلين باستخراج تصريحات رسمية لإنجاز مهماتهم الصحفية في تغطية الحرب.
وفي هذا الإطار، تشير تقارير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) - و هي منظمة دولية غير ربحية تعمل على الدفاع عن حرية الصحافة وحماية حقوق الصحفيين حول العالم - إلى أن بعض دول الخليج شددت القيود على العمل الصحفي خلال الحرب مع إيران ، حيث حذرت السلطات في الإمارات والبحرين من تصوير أو نشر صور ومقاطع فيديو لمواقع الهجمات، مع احتمال فرض عقوبات قانونية على من يخالف هذه التعليمات. كما أفادت تقارير اللجنة بأن السلطات في قطر حذرت من التوجه إلى مواقع الحوادث أو تصوير التطورات المرتبطة بالهجمات، وهو ما يحد عملياً -وفقاً للجنة- من قدرة الصحفيين على التغطية الميدانية وفي السياق نفسه.
كما حذر الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) من أن القيود التي تُفرض خلال النزاعات بدعوى الأمن قد تقلص مساحة العمل المتاحة للصحفيين وتحد من قدرتهم على نقل معلومات مستقلة حول تطورات الحرب، وهو ما انعكس في زيادة حذر الصحفيين في تغطية الأحداث الميدانية في المنطقة.
ويقول مراسلو بي بي سي، أثناء تغطية الحرب الدائرة حالياً، إن السلطات لا تسمح لهم بالتصوير إلا في مناطق محددة فقط وأنه لا يمكن تصوير أي مناطق معرضة للقصف، وهي الإجراءات المتخذة في كامل الدول المعنية في هذه الحرب.
ونشرت حسابات رسمية للسلطات القطرية منشورات توضح فيها مبررات القيود المفروضة على التصوير، و من بينها أن التصوير "يسهل تحديد الإحداثيات العسكرية، ويحدد توقيت التجمع والحركة ويظهر الطرق والمخارج والمداخل ويكشف نمط الحياة اليومي ويساعد على تحليل الأهداف ويعرض المدنيين للخطر ويكشف الموقع الجغرافي بدقة".
كما أبرزت في منشورات أخرى أسباب خطورة الاقتراب من الحطام الموجود في أماكن الهجمات للتصوير، مشيرة إلى أن شظايا الأجسام التي يتم اعتراضها قد تصل إلى الأرض بسرعات عالية و "أنها قد تحتوي على مواد مركبة حادة أو أجزاء مضغوطة ، كما أنها قد تتضمن بقايا كيميائية يمكن أن تكون شديدة الخطورة".
ولكن من جانبه، يرى جاد شحرور - من منظمة سمير قصير - أن "بعض الدول تجادل بأن حق الحياة والأمن الجماعي في زمن الحرب يتقدم على حق الفرد في نشر مقاطع فيديو أو صور". ويشير إلى أنه "لا يمكن رفض هذا الطرح بسهولة. لكنه أيضاً لا يمكن قبوله بشكل أعمى. لأن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الأمن مهماً — فهو مهم بالفعل، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه القيود ضرورية ومتناسبة ومحدودة النطاق، أم أنها تُستخدم لقمع التوثيق واحتكار السردية في زمن الحرب".
قيود مشابهة في إسرائيل
الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، حيث فرضت الحكومة قيوداً صارمة على تصوير ونشر مواقع سقوط الصواريخ، خاصة قرب المنشآت الاستراتيجية.
وشرح الصحفي الإسرائيلي إيلي نيسان لبي بي سي نيوز عربي أن نشر هذه المعلومات "قد يساعد إيران على معرفة الأماكن التي أصابتها صواريخها، وبالتالي إعادة استهدافها"، مشدداً هو أيضاً على أن هذه الإجراءات تتعلق بحماية حياة السكان أكثر من كونها تقييداً لحرية التعبير.
ويوضح نيسان أنه "حتى المعارضة الإسرائيلية في الداخل تدعم قرارات منع تصوير المواقع التي تسقط فيها الصواريخ لحماية السكن".
يقول : "في الماضي، حاولت إيران تجنيد عملاء داخل إسرائيل، وتمكنت السلطات الأمنية، بما في ذلك الشاباك، من القبض على هؤلاء وتقديمهم للعدالة بسبب محاولات خيانة عظمى. لذلك أي كشف لمواقع سقوط الصواريخ أو المنشآت الاستراتيجية قد يوفر للعدو معلومات دقيقة يمكن استغلالها لاحقاً لإعادة الاستهداف أو لتجنيد عملاء جدد".
ضبط إعلامي مشدد في إيران
أما في إيران، فتواجه التغطية الإعلامية للحرب داخلها قيوداً شديدة تحدّ من قدرة الصحفيين على نقل صورة مستقلة عما يحدث على الأرض. ووفقاً لمنظمة مراسلون بلا حدود، فالنظام الإعلامي في البلاد يخضع إلى حد كبير لإشراف الدولة، الأمر الذي يجعل العمل الصحفي المستقل محدوداً للغاية ويعرّض الصحفيين لخطر الاعتقال أو الملاحقة القضائية عند "تجاوز الخطوط الحمراء الرسمية".
وفي سياق الحرب الدائرة، تشير المنظمة إلى أن الكثير من الصحفيين تحدثوا عن صعوبات كبيرة في الوصول إلى المعلومات أو مواقع الأحداث، وهو ما أدى إلى نقص واضح في التقارير الميدانية المستقلة وارتفاع الاعتماد على الروايات الرسمية. كما وثّقت لجنة حماية الصحفيين حالات توقيف ومضايقات لصحفيين في إيران خلال الفترة الأخيرة، بعضها مرتبط بتغطية الأحداث أو التعبير عن آراء تتعلق بالوضع السياسي والأمني.
وتشير تقارير إعلامية أيضاً إلى أن السلطات شددت الرقابة على تداول المعلومات خلال القصف، بما في ذلك تقييد الوصول إلى الإنترنت أو تعطيله جزئياً، وهو ما حدّ أكثر من قدرة الصحفيين والمواطنين على نشر المعلومات والصور من داخل البلاد. ونتيجة لهذه القيود، تعتمد كثير من وسائل الإعلام الدولية على شهادات محدودة من صحفيين داخل إيران أو على مصادر خارج البلاد، ما يترك فجوة واضحة في فهم ما يجري ميدانياً.