لبنان يدخل محادثات مع إسرائيل من دون أي أوراق قوة

    • Author, هيوغو باشيغا
    • Role, مراسل الشرق الأوسط
    • Reporting from, بيروت
  • مدة القراءة: 8 دقائق

مع عودة لبنان مجدداً إلى أتون الحرب، أستحضرُ لقاءً جمعني بالرئيس جوزاف عون في قصر بعبدا، المبنى العصري القابع على تلة مطلّة على بيروت، في أغسطس/آب الماضي.

عون، القائد السابق للجيش، تولّى منصبه بعد حرب مدمّرة بين إسرائيل وحزب الله، المجموعة المسلحة والحزب السياسي المدعوم من إيران.

في ذلك الوقت، كان حزب الله قد تراجع وضعف نفوذه، وبدت عزلته الداخلية واضحة، فيما تعهّد عون بنزع سلاحه. نشكّل مسألة سلاح الحزب، التي تبدو عصيّة على الحل، مصدر انقسام طويل في لبنان، إلا أن عون بدا واثقاً من قدرته على معالجتها، قائلاً: "وُلدتُ متفائلاً".

وعندما التقيتُ بالرئيس، كان وقف هش لإطلاق النار سارياً في لبنان. هذا الاتفاق أنهى الحرب بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لكن إسرائيل واصلت شن ضربات شبه يومية على ما وصفته بأهداف وأشخاص مرتبطين بالحزب.

وفي بعض مناطق البلاد، لم يتوقف القتال أساساً. وحتى من منزلي في شرق بيروت، كنت أسمع أحياناً أزيز طائرات مسيّرة إسرائيلية تحلّق في السماء.

بالنسبة لأنصار حزب الله، يشكّل الحزب مصدر الحماية الوحيد لهم في مواجهة إسرائيل، التي يرونها عدواً يسعى إلى الاستيلاء على أراضٍ لبنانية. أما معارضوه، فيتهمون الحزب الشيعي، بالدفاع عن مصالح راعيه الإيراني، وجرّ البلاد إلى حروب لا تريدها ولا تحتاجها.

فبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربة استهدفت طهران في اليوم الأول من القصف الأمريكي - الإسرائيلي في فبراير/شباط، أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل.

وقال الحزب إن ذلك جاء رداً على مقتله وعلى القصف الإسرائيلي المتواصل خلال وقف إطلاق النار، فيما ردّت إسرائيل بغارات جوية وشنّت توغلاً برياً جديداً في جنوب لبنان.

واقترح الرئيس عون، في محاولة لوقف نزيف الدم، إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، في خطوة لافتة بين بلدين لا يعترف أحدهما بالآخر أصلاً.

غير أن إسرائيل واصلت تجاهل هذا الطرح حتى الأسبوع الماضي، بعدما توصلت الولايات المتحدة إلى هدنة مع إيران، وشنّت إسرائيل غارات جوية واسعة أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص في يوم واحد في لبنان.

ومن المقرر أن يعقد اجتماع بين سفيري البلدين، يركّز على وقف إطلاق النار في لبنان، في وقت لاحق من يوم الثلاثاء في واشنطن.

لكن مع محدودية نفوذ الحكومة اللبنانية على حزب الله، يبرز سؤال حول ما الذي يمكن أن تفعله؟ وما فرص التوصل إلى سلام دائم؟

من رحم الصراع

تأسس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، خلال الاحتلال الإسرائيلي للبنان في خضم الحرب الأهلية. ومنذ نشأته، تلقّى دعماً من إيران شمل التمويل والتدريب والتسليح، ولا يزال تدمير إسرائيل من بين أهدافه المعلنة.

وفي عام 1989، نصّ اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية، على حلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها، وأرسى نظاماً لتقاسم السلطة بين الطوائف في بلد متعدد الانتماءات. غير أن حزب الله، الذي قدّم نفسه كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، احتفظ بسلاحه. وانسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 بعد احتلال استمر 18 عاماً، لكن الخلافات الحدودية بقيت قائمة. كما أن قرار مجلس الأمن الدولي 1701، الذي أنهى حرب عام 2006 ونصّ على نزع سلاح الحزب، لم ينفّذ بالكامل.

وتصنّف دول عدة، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حزب الله منظمة إرهابية. لكن داخل لبنان، لا يقتصر دوره على كونه فصيلاً مسلحاً، إذ يعدّ أيضاً حزباً سياسياً ممثلاً في البرلمان والحكومة، وله حضور اجتماعي من خلال مؤسسات وخدمات، مثل المدارس والمستشفيات، في مناطق يغيب فيها دور الدولة، ويعدّ من أبرز القوى الفاعلة في البلاد.

منذ توليه السلطة، تبنّى الرئيس عون سياسة يسميها "حصر السلاح بيد الدولة". وكجزء من اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، وافق حزب الله على سحب مقاتليه وأسلحته من جنوب لبنان، الذي ظل لعقود تحت نفوذه الفعلي.

ويمتد نفوذ الحزب أيضاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع في شرق البلاد، حيث يوجد جزء من ترسانته. لكن أمينه العام نعيم قاسم رفض طرح مسألة نزع السلاح على مستوى البلاد بالكامل.

في المقابل، حذّر عون من أن أي محاولة لنزع سلاح حزب الله من دون موافقته قد تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف، قائلاً خلال لقائنا في أغسطس/آب: "لا يمكن أن نسمح بانزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة".

ومع استمرار الضربات الإسرائيلية ورفض حزب الله الدخول في مفاوضات، سألتُ عون عن خطته، فأجاب بأنه يكاد لا يملك أي خيارات أخرى.

حكومة بدون أوراق قوة

لبنان، وهو بلد صغير لا تتجاوز مساحته نحو 10,452 كيلومتر مربع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، يضم نحو 5.8 مليون نسمة، ويعترف رسمياً بـ18 طائفة دينية.

وبحسب التقديرات، فإنّ نحو ثلثي السكان من المسلمين - مع تقارب في أعداد السنة والشيعة - فيما يشكّل المسيحيون نحو الثلث.

وفي ديسمبر/كانون الأول، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" أن ما يقارب أربعة من كل خمسة لبنانيين يؤيدون حصر السلاح بيد الجيش وحده، أي نزع سلاح الأحزاب، بما فيها حزب الله.

وجاءت نتائج الاستطلاع، كما هو متوقع، على أسس طائفية واضحة، إذ حظي هذا الطرح بتأييد واسع بين المسيحيين والدروز والسنة، في حين عارضه أكثر من ثلثي الشيعة.

ويقول مايكل يونغ، وهو محرر في مركز كارنيغي للأبحاث في بيروت، إن بعض الناس "كانوا ساذجين في الاعتقاد بأن الجيش"، الذي يعاني نقصاً مزمناً في العتاد والتمويل، لم ينزع سلاح حزب الله "بسبب غياب الإرادة".

ويتابع يونغ: "لا يمكنكم التوجه إلى الطائفة الشيعية وفرض هذا بالقوة. ستفشلون، وسيكون ذلك كارثة. الجيوش لم نشأ للدخول في مواجهات عسكرية مع شعبها".ت

وأضاف: "ماذا يعني نزع سلاح مجموعة مثل حزب الله؟ هل لدى الجيش القدرة على دخول كل منزل شيعي ونزع السلاح منه؟ لا. وهل يمكنه الدخول إلى مناطق يمتلك فيها حزب الله صواريخ وأسلحة ثقيلة ونزع سلاحها؟ لا يمكنه ذلك".

وعندما سألته عن المحادثات المتوقعة مع إسرائيل، قال: "لبنان ليس لديه ما يقدّمه"، لأنه لا يستطيع ضمان نزع سلاح حزب الله. وأضاف: "الحكومة بلا أوراق"، معتبراً أن "هذه حقيقة علينا أن نقرّ بها".

"لصبرنا حدود"

وفي خطاب متلفز الشهر الماضي، قال نعيم قاسم إن حزب الله لم يردّ على الهجمات الإسرائيلية خلال وقف إطلاق النار "كي لا يتّهم بعرقلة المسار الدبلوماسي"، لكنه أضاف أن إسرائيل "لم تلتزم بأي بند" من الاتفاق.

كما أشار إلى بقاء القوات الإسرائيلية في خمس نقاط في الجنوب احتلّت خلال الحرب، في خرق آخر للاتفاق، وهو ما قال مسؤولون إسرائيليون إنه ضروري لحماية البلدات الشمالية. وأضاف قاسم: "لصبرنا حدود"، مؤكداً أن حزب الله "لن يناقش… سلاحه مع أحد". فهل يمكن أن يتخلى عنه يوماً؟

وتعدّ "المقاومة المسلحة" جزءاً أساسياً من هوية حزب الله، إذ يظهر في شعاره يد تحمل بندقية.

ينتمي الحزب إلى ما تسميه إيران "محور المقاومة"، وهو تحالف يضم فصائل مسلحة، من بينها حماس في غزة والضفة الغربية، والحوثيون في اليمن. وقد تعرّض هذا المحور لضربات قاسية على يد إسرائيل والولايات المتحدة في النزاعات التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من دون أن يهزم بالكامل.

ويقول نيكولاس بلانفورد، مؤلف كتاب "محاربو الله: داخل مسيرة حزب الله الممتدة لثلاثة عقود في مواجهة إسرائيل"، إن أي قرار بشأن مسار الحزب، في ضوء دور إيران، يرجّح أن يتخذ في طهران لا في بيروت.

في العام الماضي، نقلتُ من جنوب لبنان صورة حياةٍ يطغى عليها الخوف بفعل الغارات الإسرائيلية المتواصلة، فيما بدا أن بعض الأهالي بدأوا يراجعون خيارات حزب الله.

وخلال الحرب الحالية، أظهر الحزب - من خلال استهداف إسرائيل ومواجهة القوات المتوغلة - أنه تمكّن من استعادة جزء من قدراته العسكرية التي تراجعت في الحرب السابقة، كما كانت إسرائيل قد حذّرت، وهو ما ساهم في إعادة تنشيط جزء من قاعدته الشعبية.

ويقول دبلوماسي غربي إن هذه العملية تمت بإشراف مسؤولين من "الحرس الثوري" الإيراني أوفدوا إلى لبنان عقب حرب 2024.

وفي ظل العملية العسكرية الإسرائيلية الجارية في لبنان، يقول مسؤولون إسرائيليون إنهم يسعون إلى إقامة ما يسمونه "منطقة عازلة" في جنوب البلاد، على طول الحدود مع شمال إسرائيل، ما يثير مخاوف في الداخل اللبناني من بقاء أجزاء من الأراضي تحت الاحتلال حتى بعد انتهاء القتال.

ويعني ذلك أن آلاف النازحين من الجنوب قد لا يتمكنون من العودة إلى منازلهم. ومن شأن ذلك أن يعزّز رواية حزب الله بأن سلاحه لا يزال ضرورياً في ظل دولة عاجزة عن حماية أراضيها.

ويرى بلانفورد أن هذا يشكّل سبباً إضافياً يجعل تخلي الحزب عن سلاحه أمراً مستبعداً، قائلاً: "يقوم حزب الله أساساً على ما يسميه أولوية المقاومة. كل العناصر الأخرى داخل الحزب موجودة لحمايتها واستمرارها. إنها قلبه النابض. وإذا أُزيل المكوّن العسكري، يصبح التنظيم شيئاً مختلفاً تماماً".

أزمة بدون نهاية

أجبر أكثر من 1.2 مليون شخص على النزوح في لبنان منذ اندلاع جولة الحرب الأخيرة، ومعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، ما فاقم التوترات الطائفية.

ومع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية لتستهدف أشخاصاً يشتبه بارتباطهم بالحزب خارج مناطقه التقليدية، بات بعض السكان ينظرون بريبة إلى الوافدين الجدد، وقد اندلعت اشتباكات في عدد من المناطق.

وتقول كيم غطاس، الصحافية والمراسلة السابقة في بي بي سي ومؤلفة كتاب "الموجة السوداء"، إن حزب الله يشكّل جزءاً أساسياً من حياة كثيرين في البيئة الشيعية. وأضافت: "لطالما كان الشيعة في لبنان من الفئات المهمّشة. بالنسبة لكثيرين، المسألة تتعلق بالعقيدة والهوية، وبإحساس عميق بالخوف والهشاشة. إذا تخلّوا عن سلاحهم، ماذا سيحدث لهم؟ هل سيعودون إلى التهميش أو يصبحون منبوذين؟ من الصعب جداً مجادلة هذه المخاوف المتجذّرة".

وفي الأسبوع الماضي، شنّت إسرائيل موجة غارات جوية خلّفت دماراً واسعاً وبثّت الرعب في لبنان، في يوم بات يوصف بـ"الأربعاء الأسود".

وفي بيروت، استهدفت الغارات الكثيفة، التي وقعت في وضح النهار ومن دون سابق إنذار، مناطق مكتظة ونشطة لم تكن قد تعرّضت للقصف من قبل، وكان السكان يشعرون فيها بالأمان.

وحتى بالنسبة لمن اعتادوا على العنف، بدا ذلك اليوم مختلفاً. ومنذ اندلاع الحرب قبل ستة أسابيع، قتل أكثر من ألفي شخص في لبنان، وفق وزارة الصحة، من دون تمييز بين مقاتلين ومدنيين.

ويشعر كثير من اللبنانيين بأنهم عالقون في حالة أزمة دائمة. وفي حي عين المريسة قرب كورنيش بيروت، التقيت رجلاً يدعى محمد حمود، كان ينظر بدهشة إلى مبنى سكني انهار جزئياً. وقال: "لا راحة أبداً. طوال حياتي أشعر أننا نعيش في حرب مستمرة. نأمل أن تكون الأخيرة وأن تتحسن الأمور".