عمال آسيويون مهاجرون: هل تستحق وظائف الخليج مخاطر الحرب المميتة؟

    • Author, آزاده مشيري
    • Role, دبي
    • Author, جويل غوينتو
  • مدة القراءة: 5 دقائق

لا تملك، نورما تاكتاكون، سوى الدعاء، بينما تسمع صفارات الإنذار، فالمرأة البالغة 49 عاماً، تعمل كعاملة منزلية في الشرق الأوسط على بُعد آلاف الأميال من منزلها في الفلبين، حيث يعيش زوجها وأطفالها الثلاثة.

ونورما، العالقة في قطر، الواقعة في مرمى نيران الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، أملها الوحيد، هو العودة إلى عائلتها.

تقول لبي بي سي: "أشعر بالخوف والقلق في كل مرة أرى فيها صوراً ومقاطع مصورة للصواريخ في الجو. يجب أن أبقى على قيد الحياة لأكون بجانب عائلتي. أنا كل ما يملكون".

ومع تحول دول الخليج الغنية إلى أهداف للهجمات الإيرانية بسبب استضافتها قواعد عسكرية أمريكية، غادرت أعداد كبيرة من الوافدين، بينما أحجم السياح والمسافرون عن القدوم.

لكن الوضع أكثر صعوبة على ملايين المهاجرين الذين بات مستقبلهم غامضاً، فلطالما دعم عمال البناء وعاملات المنازل هذه الاقتصادات، لانتشال عائلاتهم من براثن الفقر في أوطانهم.

كانت تاكتاكون تأمل في دفع تكاليف تخرج ابنها البالغ 23 عاماً من أكاديمية الشرطة، وأن تصبح ابنتاها البالغتان 22 و 24 عاماً، ممرضتين، وهو ما يمثل منطلقاً لوظائف عالية الأجر في الخارج.

ولهذا، أمضت جزءاً كبيراً من العقدين الماضيين تعمل فيهما كعاملة منزلية في قطر والسعودية والإمارات.

ولا يزال راتبها يُبقيها هناك، إذ تتقاضى عاملات المنازل الفلبينيات في الشرق الأوسط حداً أدنى للأجور يبلغ 500 دولار شهرياً، أي ما يقارب أربعة إلى خمسة أضعاف ما قد يحصلن عليه في وظيفة مماثلة في بلادهن.

تقول تاكتاكون من قطر: "أتمنى أن يعود السلام إلى العالم وأن تعود الأمور إلى سابق عهدها. أدعو الله أن تتوقف الحرب".

لكن الحرب تُجبرها على إعادة النظر في قرارها، فقد تعود إلى بلادها وتبدأ مشروعاً تجارياً صغيراً مع زوجها، فلديها ما يبرر قلقها.

أما الفلبينية ماري آن فيلاسكيز، البالغة 32 عاماً، كانت من أوائل ضحايا الحرب، إذ كانت تعمل كمقدمة رعاية في إسرائيل.

أفادت السفارة الإسرائيلية في مانيلا، بأنها أُصيبت أثناء مرافقتها لمريضتها إلى مكان آمن، بعدما أصاب صاروخ باليستي شقتها في تل أبيب.

وبحسب منظمة العمل الدولية، تستضيف المنطقة 24 مليون عامل مهاجر، مما يجعلها الوجهة الأولى عالمياً للعمالة الوافدة، ومعظمهم قادمون من آسيا - الهند، وباكستان، وبنغلاديش، وسريلانكا، والفلبين، وإندونيسيا.

وتقول المنظمة إن العديد من هؤلاء العمال يعملون في وظائف متدنية الأجر أو غير مستقرة، ولا يحصلون إلا على القليل من الخدمات كالرعاية الصحية.

ووفقاً لتقارير، فقد لقي ما لا يقل عن 12 عاملاً مهاجراً من جنوب آسيا حتفهم، حتى الآن، نتيجة الحرب.

وتشمل حصيلة قتلى الحرب المتزايدة، ديباس شريستا، وهو نيبالي يبلغ 29 عاماً، عمل كحارس أمن في أبوظبي، ولقي حتفه في هجوم إيراني في الأول من مارس/آذار.

قال عمه راميش لبي بي سي: "حاولت إقناعه بالعودة إلى نيبال، لكنه قال إنه يحب عمله في أبوظبي، وإنه يعيش حياة جيدة".

مضيفاً: "لدينا العديد من الأقارب الذين انتقلوا إلى الخليج للعمل، لذلك كنا قلقين للغاية عليهم جميعاً".

عندما اندلعت الحرب، أكد شريستا، لعائلته، أن الوضع آمن. وكتب في منشور على فيسبوك، أن متابعة الأخبار جعلته "قلقاً"، لكنه شعر أيضاً أن "الأخبار تعرض أحياناً معلومات مبالغاً فيها أو مضللة".

قال عمه إن شريستا كان يدخر المال لإعادة بناء منزل والديه، بعد تضرره في زلزال عام 2015 الذي أودى بحياة المئات. وأضاف: "كان ابنهما الوحيد، كان لطيفاً وذكياً جداً".

وعلى بعد أكثر من 120 كيلومتراً، في دبي، تسببت شظايا صاروخ تم اعتراضه، في مقتل أحمد علي، مورّد خزانات مياه، يبلغ من العمر 55 عاماً، من بنغلاديش.

قال ابنه، عبد الحق، إنه انضم إلى والده للعمل في الإمارات، لكنه عاد إلى بنغلاديش قبل اندلاع الحرب. وواصل والده إرسال المال إلى بلاده - بين 500 و600 دولار شهرياً، وهو مبلغ كبير في هذا البلد الفقير الواقع في جنوب آسيا.

وتوفي أحمد خلال شهر رمضان، وأُبلغ ابنه أن ذلك حدث في المساء، تزامناً مع وقت الإفطار.

قال عبد الحق لبي بي سي: "كان يُحب سكان دبي كثيراً، وكان يقول إنهم مضيافون وإنها مكان رائع للعيش"، مضيفاً: "لا أعتقد أنه كان يعلم حتى بوجود حرب. لم يكن يقرأ الأخبار، ولم يكن يملك هاتفاً ذكياً".

لكن نظرة عبد الحق تجاه دبي والمنطقة تغيرت، "لم تعد آمنة الآن، لا أحد يريد أن يفقد أباً".

وتسعى الحكومات في آسيا جاهدةً لإعادة العمال المهاجرين إلى بلدانهم.

غير أن التهديد بشن هجمات صاروخية عطّل السفر من وإلى دبي وأبوظبي وقطر، ما اضطر الراغبين في المغادرة إلى سلوك طرق أطول للعودة إلى ديارهم.

شهدت آخر رحلة عودة، سفر 234 عاملاً فلبينياً من الكويت وقطر والبحرين براً لمدة تصل إلى ثماني ساعات إلى السعودية، حيث كان 109 آخرون ينتظرون الانضمام إليهم على متن رحلة تابعة للخطوط الجوية الفلبينية.

ووفقاً للحكومة الفلبينية، فقد عاد نحو 2000 عامل فلبيني وعائلاتهم جواً إلى مانيلا حتى 23 مارس/ آذار.

والشرق الأوسط موطن نحو نصف الفلبينيين العاملين في الخارج، الذين يزيد عددهم عن المليونين، وتُمثّل تحويلاتهم المالية 10% من الاقتصاد.

كما أن للتحويلات المالية أهمية بالغة أيضاً لبنغلاديش، إذ يقطن معظم عمالها المهاجرين البالغ عددهم 14 مليوناً في الشرق الأوسط.

وأعيد قرابة 500 عامل بنغلاديشي إلى بلادهم منذ بدء الصراع، كما رتبت الحكومة في دكا رحلتين إضافيتين على الأقل إلى البلاد، انطلاقاً من البحرين.

وبالنسبة للبعض، فالرحيل ليس خياراً مطروحاً.

إذ وجدت سو سو، من ميانمار، ملاذاً آمناً في دبي، بعد أن تركت بلداً يرزح تحت وطأة حرب أهلية دامية مستمرة منذ 2021.

وتعمل سو سو، 31 عاماً، في شركة عقارية، وتقيم في دبي منذ عامين.

وتقول إن نظام عملها الحالي من المنزل يذكرها بفترة الإغلاق بسبب كوفيد - إلا عندما تسمع صفارات الإنذار، فحينها تضطر للابتعاد عن نافذتها.

وتضيف: "لديّ حقيبة طوارئ جاهزة حال اضطررت للإخلاء ... هذه عادة اكتسبتها من ميانمار". ومع ذلك، تقول: "الشعور هنا أكثر هدوءاً. أعتقد أننا سنكون بخير في نهاية المطاف".