You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
كيف غيّرت طائرات إيران المسيّرة مفهوم القوة في النزاعات الدولية؟
- Author, أحمد روابة
- Role, بي بي سي
- مدة القراءة: 7 دقائق
في خضم الحرب الدائرة بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، أصدر الخبير العسكري أكرم خريف كتابه "في ظل شاهد"، وفيه يشرح الكاتب نشأة وتطور صناعة الطائرات المسيرة في إيران. ويشرح الاستراتيجية التي وضعتها إيران ومكّنتْها من تحدي الحظر والعقوبات الأمريكية لتصبح فاعلاً في الصناعة العسكرية العالمية.
ظهرت الطائرات المسيرة الإيرانية أولاً في التقارير العسكرية عن نشاطات حزب الله اللبناني على الحدود مع إسرائيل. ثم ربط خبراء تحليل الحطام بين الطائرات المسيرة، التي يستعملها الحوثيون في اليمن والصناعة الإيرانية.
ولكن في سبتمبر/أيلول 2022 استيقظ العالم على خبر مذهل هو أن إيران تزود الجيش الروسي بتكنولوجيا الطائرات المسيرة. وانتشرت الصور الأولى لمسيرات جيرانيوم 2 (شاهد 136) تحوم في سماء العاصمة الأوكرانية كييف.
كيف لدولة تحت الحظر منذ 40 سنة أن تتمكن من تغيير قواعد اللعبة في النزاعات الدولية. ما هي القيم الأساسية التي جعلتها تنجح في ذلك؟
الحظر هو الذي دفع بقادة إيران بعد 1979 إلى البحث عن الخيارات المتاحة، والطرق الممكنة للتغلب على المصاعب واتخاذ القرارات المناسبة للخروج من المأزق؛ ودفع بهم الحظر أيضاً إلى وضع ثقتهم في المهندسين وليس في أتباعهم. وبسبب الحظر سعوا إلى إيجاد شبكات تموين في الخارج تمسح لهم باقتناء ما يحتاجون إليه. ولجأوا أحياناً إلى التكنولوجيا المدنية. ولكن الأهم من ذلك هو أنه في غياب الإمكانات، وضع الإيرانيون استراتيجيات وعكفوا على تنفيذها بصبر وثبات.
عندما خرج الشاه محمد رضا بهلوي من البلاد في يناير/كانون الثاني 1979 ترك جيشاً هو الأقوى في المنطقة من حيث التسليح، وكانت القوات الجوية الإيرانية مجهزة بطائرات إف 14 توم كات، وإف 4 فانتوم، وإف 5 تايغر.
وكان الجيش الإيراني وقتها يصنَّف الخامس في العالم من حيث التجهيز، بعد جيوش الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا وفرنسا. وكانت القوات الجوية الإيرانية تحديداً أكثر تطوراً من نظيرتها الألمانية والصينية والإسرائيلية لأنها كانت تمتلك طائرات إف 14 توم كات الأكثر تطوراً في العالم وقتها. ولكن تشغيلها وصيانتها مرهونة بجيش من الفنيين والمهندسين الأمريكيين المقيمين في إيران. وقطع الغيار تأتي مباشرة من شركة غرومان الأمريكية. فهي قوة جوية مرتبطة كلياً بالصناعة العسكرية الأمريكية.
وبعد سقوط نظام الشاه، هرب قادة الجيش من البلاد أو قتلوا أو تعرضوا للسجن. وغادر الفنيون والمهندسون الأمريكيون. وقطعت الشركات الأمريكية علاقاتها مع النظام الجديد. وتحولت الطائرات التي اشترتها إيران بمليارات الدولارات إلى كتل من حديد بلا قيمة.
الحاجة أُمّ الاختراع
في سبتمبر أيلول 1980 اجتاحت القوات العراقية الأراضي الإيرانية. واندلعت حرب ضروس بين البلدين استمرت 8 سنوات. استعملت فيها أفظع وسائل القتل والدمار، بما فيها الأسلحة الكيماوية. وراح ضحيتها ما يقارب المليون من البشر.
وسجلت القوات العراقية تقدماً، في بدايات الحرب، بفضل تفوقها الجوي. فالجيش العراقي كان يشتري طائرات الاستطلاع من الاتحاد السوفييتي. ويحصل منه على صور الاقمار الاصطناعية، التي تساعده في تحديد مواقع العدو ومراقبة تحركاته.
أما القوات الإيرانية فكانت تخوض حرباً بلا رؤية؛ فلا هي قادرة على تشغيل الطائرات المتطورة، التي تركها الأمريكيون مسمّرة في الأرض، ولا بإمكانها أن تشتري التكنولوجيا، التي تحتاجها للدفاع عن أراضيها، بسبب الحظر المفروض عليها.
كان الإيرانيون في أمسّ الحاجة إلى التكنولوجيا لخوض حرب تهدد وجودهم. ولكن العقوبات الاقتصادية منعتْهم من شراء ما يحتاجون إليه. فقرروا أن يخترعوا هذه التكنولوجيا، وأن يصنعوها بأيديهم، بدل اقتنائها من الغير.
وكانت الفكرة بسيطة: إذا لم يكن باستطاعتك أن تحلّق بطائرات الاستطلاع فوق خطوط العدو لتعرف مواقعه وتحركاته، فربما يمكنك أن ترسل أجهزة مصغرة بالتحكُّم عند بُعد. فهي أقل تكلفة، ويصعب رصدها، ويمكنها أن تزوّدك بمعلومات ثمينة.
بدأ الإيرانيون يفكرون في هذه الأجهزة الصغيرة منذ 1981. فكّروا في تثبيت كاميرات عليها. وُلدت الفكرة في جامعة أصفهان. واشتغل على تنفيذها طلاب ومهندسون. مضوا في تصميم وصناعة النماذج وتجريبها، وتطويرها، قبل عرضها على العسكريين في الحرس الثوري.
أدوات بدائية بسيطة. قِطع من البلاستيك والألواح، وعقول ناضجة. ورشة متواضعة بالجامعة يتردد عليها شباب مسلحون بالإصرار، ومؤمنون بمصطلح "جهاد البناء"، و "الجهاد الجامعي"، الذي اعتمدته سلطات البلاد بعد الثورة.
بعد سنوات من التجربة والخطأ. بين الخيبات والإصرار. كان ثلاثة شباب يضعون التصاميم في ورشة الجامعة بأصفهان ثم يجرون تجاربهم في حقول خوزستان. طيار مدني يعرف باسم فرشيد. وطالب في الفيزياء اسمه سعيد. ومسعود زهيدي صائغ محترف.
عندما عرضوا النموذج على المسؤولين العسكريين أوّل مرة. سخر بعضهم من الفكرة. كان النموذج أقرب إلى لعبة أطفال، مصنوعة من أدوات تدعو للاستغراب. خزان الوقود كيس المصل الطبي المستخدم في المستشفيات. والمروحة يدوية الصنع.
أوّل طائرة مسيرة قتالية
في خريف 1983، على بعد 40 كيلومترا من خط النار، حلقت الطائرة "اللعبة" أوّل مرة فوق مواقع القوات العراقية. وعادت بصور واضحة للمواقع العسكرية. عندها أعطيت الأوامر بإنشاء كتيبة رعد، وإطلاق برنامج رسمي لتطوير الطائرات المسيرة.
انتقل البرنامج من ورشة طلاب في جامعة أصفهان إلى القادة العسكريين في الحرس الثوري. ومن أجل الحصول على المكونات الضرورية لتطوير الطائرة، كان عليهم أن يخرقوا الحظر المفروض على البلاد، والوصول إلى الأسواق الدولية.
وضع الحرس الثوري شبكة من الشركات في دبي، واستخدموا متعاملين في سنغافورة، يشترون القطع المفككة من عشرات الدول. وترسل تلك القطع إلى أصفهان. وهناك يتم تركيبها. وهذا ما يفسر وجود شرائح من إنتاج أمريكي في مسيرات شاهد 136 التي أسقطت في أوكرانيا.
أثبتت الطائرات المسيرة فاعليتها الاستطلاعية، واستخدمتْها القوات الإيرانية في معارك مفصلية مع القوات العراقية بعد 1983. ولكن المهندسين والعسكريين في كتيبة رعد فكروا منذ 1987 في تطوير مسيرات قتالية.
فالطائرة المسيرة، التي تحلق فوق مواقع قوات العدو وتصور تحركاتها، يمكنها الإغارة عليها وتدميرها إذا كانت مجهزة بقوة النار. ولكن الأمر يتطلب مؤهلات وتكنولوجيا مختلفة، طوّرتْها كتبية رعد لاحقاً في مسيرات قتالية، عرفت باسم "مهاجر".
وفي 1988، كانت إيران في طليعة الدول، التي استعملت "أجساما طائرة مسلحة، من دون طيار". وهي التي تعرف اليوم باسم الطائرات المسيرة. وتشتهر بصناعتها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل. ولكن إيران كانت في الواقع سبّاقة إلى هذا المضمار.
في 1988 كانت المسيرات الإيرانية بدائية في تركيبتها. لا تتجاوز مسافة 50 كيلومتراً. وفي 2026، اخترقت طائراتها المسيرة المتطورة الأجواء الإقليمية لعدة دول لتضرب أهدافها في إسرائيل، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية.
الواقع أن إسرائيل سبقت الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة، في استعمال الأجسام الطائرة لأغراض حربية. استعملتها في حرب 1973 لإيهام واستنزاف الصواريخ المصرية أرض جو. وهذا هو المبدأ الذي طوره القائمون على برنامج الطائرات المسيرة الإيرانية.
وفي اجتياح لبنان عام 1982، استعملت إسرائيل طائراتها المسيرة "سكوت" و"ماستيف" في عمليات الاستطلاع، وفي توجيه الضربات إلى مواقع بطاريات الصواريخ السورية في سهل البقاع. وكان ذلك أول استعمال للطائرات المسيرة الحربية في نزاع مسلح.
قلب المفاهيم
تابع الخبراء الإيرانيون تطور الأحداث في لبنان عن كثب. وساعدهم حلفاؤهم في حزب الله في تسجيل المعلومات الدقيقة عن الطائرات المسيرة الإسرائيلية. وتبين لهم أن هذه التجهيزات ليست فائقة التطور، وأن خبراءهم في جامعات طهران وأصفهان قادرون على تقليدها.
ولاحظ المحللون العسكريون في العديد من التقارير أن النماذج الأولى من الطائرات المسيرة الإيرانية تشبه المسيرات الإسرائيلية "سكوت" و"ماستيف"، في الكثير من الخصائص. ويرجحون أن المهندسين الإيرانيين استلهموا هذه الخصائص من نماذج إسرائيلية.
ساد الاعتقاد منذ السبعينيات أن السلاح الأكثر تطوراً تكنولوجياً هو الأكثر قيمة وفعالية من غيره. فصاروخ واحد موجه، يصيب الهدف بدقة على بُعد ألف كيلومتر أفضل من مئة قذيفة غير موجهة. فالتكنولوجيا تتفوق على الكمية.
أضاف الإيرانيون مفهوماً إلى هذه المعادلة العسكرية: وهو إذا كانت بلادهم لا تستطيع أن تنافس خصومها في التطور التكنولوجي، فعليها أن تنافسهم في العدد والتكلفة الاقتصادية - وهذا هو المفهوم الذي قام عليه البرنامج الإيراني للطائرات المسيرة.
فالطائرة المسيرة، التي تكلّف صناعتها 20 ألف دولار، لا يمكن أن تنافس في دقتها صاروخ كروز، الذي يكلف مليونَي دولار. ولكن إذا أُرسلت 100 طائرة مسيرة، لابد أن يطلق الخصم 100 صاروخ كروز لاعتراضها، وربما أكثر.
فالطائرات المسيرة لم تصمم من أجل دقة الضربات وقوتها، وإنما من أجل استنزاف دفاعات العدو، وإرهاق ميزانيته. فالهجمات الإيرانية يمكنها أن تتواصل لوقت أطول، لأنها أقل تكلفة من 10 إلى 20 مرة مقارنة بتكلفة دفاعات العدو الصاروخية.
وبعملية حسابية بسيطة نعرف أن إطلاق 100 طائرة مسيرة يكلف الدولة المهاجِمة 2 مليون دولار. أما الدولة التي تدافع عن مصالحها، فيتحتّم عليها إنفاق 200 مليون دولار من الصواريخ المتطورة لاعتراض هذه الطائرات، بغضّ النظر عما تلحقه من أضرار.
وتتمتع الطائرات المسيرة بخاصية أخرى وهي صعوبة رصدها بالرادارات، لأنها بطيئة الحركة وتحلّق على مستويات منخفضة. كما أن إطلاق عدد كبير منها في وقت واحد يشوّش على أنظمة الدفاع ويجعلها عاجزة أحيانا على اعتراضها كلها.
وأثبت هجوم 2019 على منشأة أرامكو النفطية في السعودية فعالية هذه الخاصية؛ إذ فشلت أنظمة الدفاع الأمريكية في اعتراض الطائرات المسيرة الإيرانية الصُنع. وعلى الرغم من أن الحوثيين تبنّوا العملية، فإن الاعتقاد السائد أن الطائرات أرسلت من الأراضي الإيرانية أو العراقية.
وبلغت خسائر الهجوم على منشأة أرامكو عشرات المليارات من الدولارات. أما تكلفة الطائرات المهاجِمة فكانت في حدود ملايين الدولارات. وهذا الفارق هو الذي يحدد المنتصر والمنهزم في حرب الطائرات المسيرة.