You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
أطفال يميّزون أنواع الطائرات قبل أنواع الفاكهة! قصص الحروب
- Author, مروة جمال
- Role, بي بي سي عربي - يوميات الشرق الأوسط
- مدة القراءة: 6 دقائق
نشرت وكالة الأمم المتحدة المعنيّة بالأطفال "يونيسف" تقريراً يتحدث عن أحوال الأطفال في الشرق الأوسط في ظل الحروب المتتالية.
يقول التقرير إن أكثر من 340 طفلاً قُتلوا خلال شهر من الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران، وأصيب الآلاف.
عدد الضحايا من الأطفال يشمل 216 قتيلاً و1767 مصاباً في إيران، و124 قتيلاً و413 مصاباً في لبنان، و4 قتلى و862 مصاباً في إسرائيل، فيما قُتل طفل واحد في الكويت، وأصيب 4 أطفال في البحرين، وطفلٌ واحد أصيب في الأردن.
كما يشير التقرير إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون طفل جرّاء القصف وأوامر الإخلاء التي أدّت إلى إفراغ أحياء وبلدات بأكملها.
في التقرير التالي نعرض شهادات لأطفال أو ذويهم تحدثوا لبرنامج يوميات الشرق الأوسط خلال فترة الحرب.
تنويه: بعض الأوصاف في الأسطر التالية قد تكون مزعجة أو حساسة
قاسم: "بدي خاف من الامتحان.. مش من القصف"
بهذه الكلمات بدأ الصبيّ اللبناني "قاسم" ذو الاثنى عشر عاماً حديثه، وأكمل "نريد أن نعيش بسلام، أن نعيش طفولتنا متل أي طفل في العالم، لا أفهم كثيراً في السياسة، لكنني أفهم جيداً ما الذي يعنيه شعور الخوف وصوت البكاء وسارينة الإسعاف".
تعلمتُ كيف أميز نوع الطيارة التي تحلق في السماء لأخمّن نوع الضربة التي ستُحدثها، تعلمتُ كيف أفعل هذا وقلبي يدق بسرعة، تعلمته منذ أن خسرت بيتنا في غارة إسرائيلية.
قاسم هو أحد الأطفال الذين نزحوا عن بيوتهم، ويقول عن رحلة نزوحه الأخيرة: "كانت رحلة مرهقة للغاية، وأهلي يبذلون مجهوداً خرافياً كي يؤمّنوا لنا مأوى بعد قصف منزلنا، لكن مأساتنا لم تقف عند هذا الحد، فما زالت أمي تصرخ كلما حلّق الطيران الحربي، وتركض لتبعدني عن أي نافذة إذا صادف القصف وجودي بجوارها، فأركض مبتعداً. أركض وأنا أتمنى أن يكون هذا حلماً، كنت أتمنى أن أكبر سريعاً وأصبح رجلاً لكن ليس بهذه الطريقة".
وبسؤاله عن الواقع الدراسي بلبنان خلال الحرب قال: "مدرستي؟ مدرستي مرّات بتسكّر ومرّات بروح وأنا خايف يمكن ما إرجع، أو إرجع ما ألاقي أهلي. مش عم إقدر ركّز بدروسي".
قاسم تطرّق للحديث عن هوايته المفضلة دون أن نسأله عنها، من فرط حبه وحماسه للعب كرة القدم، وعاد الحزن ليسكن نبرة صوته وهو يقول: نعم أنا أحب لعب كرة القدم كثيراً، لكنني أصبحت أخشى مغادرة المنزل للّعب تحسباً لأنني حينما أعود ربما لا أجد أهلي، ربما يتعرضون للقصف وأنا ألعب خارج المنزل، فتوقفت عن مغادرته.
القصف بالنسبة لقاسم "وحش مخيف له صوت مرعب"، يقول عنه ببراءة: "بالليل لما باسمع صوت القصف القوي، بروح عند أمي وبنام حدّها لأني بخاف أنام لحالي، بتقوم تحضنّي وتقول لي ما تخاف، بس أنا بحس إيدها عم ترجف وبعرف إنه هي كمان خايفة".
ليختتم قائلا: "أنا ما بدي حرب، ما بدي كون شجاع بهيدا الشكل، بدي كون طفل عم بيعيش طفولة حلوة، أعياد وتياب جديدة ومدرسة، بدي خاف من الامتحان مش من القصف، أركض ورا طيارة ورق تحت الشمس، مش خبّي حالي من طيارة حقيقية".
ميكائيل: "يا ماما طعامك طعمه من الجنة"
"ميكائيل" الطفل الإيراني الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب في استهداف مدرسة الشجرة الطيبة في مدينة ميناب، ولكنه قبل أن يرحل ودّع والدته بطريقة خاصة للغاية تقول عنها:
"في الليلة الأخيرة قبل استشهاده أحضرت له وجبة العشاء فتناولها بشهية وقال لي يا ماما طعامك طعمه من الجنة، فتعجبت كثيراً وشعرت بقبضة جعلتني أسأله لماذا تقول لي هذه الجملة؟ لم تعتد على قولها أبدا؟!"
وفي الصباح استعد ميكائيل لمغادرة المنزل بعدما ارتدى زيّه المدرسي وحمل حقيبته على ظهره، لكنه عاد ليطلب شيئاً من والدته التي تقول: "فوجئت به يعود ويطلب مني أن التقط له صورة تذكارية، لوّح لي فيها مودعاً، لكنني لم أفهم أبداً أنها ستكون آخر مرة أراه فيها، كان وداعاً حقاً، وللأبد".
وتختتم والدة ميكائيل: "كان دائما يقول أن اسمه يعني ملاك الله، لذلك أي شخص لديه أمنية عليه أن يخبرني بها وأنا سأطلب من الله تحقيقها، وكأن فعلا الله قد أحب هذا الطفل فأخذه إليه"، على حدّ تعبيرها.
القوارض تنهش أطفال سكان الخيام
يشير التقرير الأخير ليونيسيف إلى أن الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران فاقمت من سوء أوضاع أطفال الشرق الأوسط، خاصة في مناطق النزاع؛ وأن الآلاف من هؤلاء الأطفال محرومون من وجود مأوى إنساني ثابت ومياه نظيفة وخدمات أساسية.
وتبرز مشكلة غياب المأوى، خاصة مع الأطفال في قطاع غزة، الذي مازال الكثير من ساكنيه يعيشون في الخيام رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
واحدة من الآثار المباشرة لسوء المعيشة في الخيام: القوارض، التي بدأت تقتحم خيام النازحين وتهدّد حياتهم كما حدث مع الطفل آدم يوسف الذي تقول والدته ياسمين: "كان رضيعي لم يتم شهره الأول بعد (عمره يوم الحادث كان 28 يوماً فقط)، وكانت ليلة عاصفة ممطرة، من شدة صوت الريح لم نستمع لصوت "العِرسة" - "نوع من القوارض".
"اقتحمت العِرسة خيمتنا حتى استيقظت من نومي مفزوعة على صراخ طفلي، ولأنه لا يوجد لدينا إنارة في الخيمة بحثت عن كشاف ووجهته على طفلي لأفاجأ بأنه ينزف بغزارة ووجهه ملطخ بالدماء، فظللت أصرخ حتى استيقظ زوجي وشاهد "العرسة" وهي تفرّ، فعلمنا أنها من قامت بعضّه".
"بعد ذلك توجهنا فوراً لمستشفى الرنتيسي، وهناك وقف الأطباء في ذهول لا يعرفون ماذا يفعلون مع شُحّ الإمكانات الطبية، وفي النهاية اتخذوا قراراً بوضعه في الحضانة، وظلوا يراقبون حالته عن كثب حتى كتب الله له النجاة بأعجوبة".
لم أكن أتوقع أبداً أن يتعرّض رضيعي لخطر كهذا، هذا كله بسبب أننا نعيش في خيمة مهترئة ممزّعة، استُهلكت لدرجة أنه لم يعد حتى بالإمكان خياطتها؛ فنحن مضطرون للعيش فيها وسط الركام وحطام المنازل في بيئة غير آدمية بالمَرّة، بيئة خصبة للقوارض لأن الأوساخ تحيطها من كل اتجاه، تختتم الأم الشابة تصريحاتها.
مهدي: "كنت بالنسبة لوالدي طفله المدلل لأنني أصغر إخوتي"
على جانب آخر تحدث التقرير الأممي عن تدمير واسع في المدارس والبِنية التحتية بسبب الحرب وهو ما حرم الكثير من الأطفال من فرصة تعليمية طبيعية.
في هذا السياق يقول الطفل زياد البالغ من العمر تسع سنوات من قرية المغير بالضفة الغربية المحتلة إن "المستوطنين دائماً يأتون للبلدة و يمطروننا بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع، ويمنعوننا من التعليم بأن يقفوا على الطرقات التي تؤدي للمدرسة ويعتدون علينا بالضرب ليجبرونا على العودة وعدم الذهاب للمدرسة".
بيان يونيسيف عن تداعيات الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران على أطفال الشرق الأوسط، لم يتطرّق للأطفال الذين تيتّموا وخسروا والدَيهم أو أحدَهما.
ومن بين هؤلاء، الطفل العراقي مهدي زاهر بالصف الرابع الابتدائي، والذي خسر والده إثر غارة على محافظة الأنبار العراقية أواخر شهر رمضان الماضي، حيث كان والده يستعدّ لأن يشتري له ملابس العيد.
يقول مهدي عن ذكريات هذا اليوم: كنت نائماً حين جاء أخي وقال لي:"كل نفس ذائقة الموت" شعرتُ بأن نفسي قد ضاقت، ولم أفهم ما الذي يحدث. ثم جاء الخبر بأن والدي قد استُشهد، وبدأنا نبكي ونصرخ".
كنت بالنسبة لوالدي طفله المدلل لأنني أصغر إخوتي، ودائماً ما كان يصطحبني معه أثناء خروجه، وقبل مقتله بساعات اتصلت به وسألته هل سنقضي العيد معاً، فوعدني بذلك وأوصاني بأن أنتبه لنفسي، وبعدها بساعات وصلنا النبأ المشؤوم وحاولنا الاتصال به مراراً على أمل أن يكون الخبر غير صحيح، لكنه كان صحيحاً، وينفجر مهدي باكياً لتنتهي كلماته بالدموع.
وعلى الرغم من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي تنفّس معه العالم الصعداء، إلا أن ملامح "قاسم" المنقبضة ودموع "مهدي" التي لم تجفّ بعد، تؤكد أن الحرب لا تنتهي بمجرّد جرّة قلم على ورق المعاهدات.
فخلفَ كل بندٍ في الاتفاق، هناك طفل لا يزال يصمُّ أذنيه فزعاً من صوتٍ يسبق عاصفة متخيلة، وهناك أمٌّ لا تزال تخشى فتح النوافذ، وجيلٌ كامل في الشرق الأوسط بات يدرك أن "الأمان" ليس حقاً مكتسباً بل هو "هدنة مؤقتة" بين خوفين، أحدهما أخذ قطعة منهم ومضى، والآخر قادم مجهول.